عرض: عمرو محمود
لعبت الماسونية ولا تزال دورًا خطيرة في السياسة الدولية، وهناك شبه إجماع لدى الباحثين بأنها وراء المخططات الكبرى التي تبغي الهيمنة على العالم وخاصةً العالم الإسلامي.
![]() |
شعار الماسونية |
وتحتوي المكتبة العربية على قدرٍ كبير من المؤلفات حول الماسونية، لكن رغم ذلك ما زالت الحكومات القابضة على سُدة الحكم في العالم الإسلامي عاجزة عن اتخاذ أي إجراء يقف في وجه مخططاتها.
أحدث المؤلفات عن الماسونية حصل به الباحث- وائل إبراهيم الدسوقي- على درجة الماجستير من قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة عين شمس.
الدراسة تناولت الخلفية التاريخية للتنظيمات الماسونية في العالم، وعرضت لجذورها وأنشطتها ومبادئها ورموزها وطرق تنظيمها وأفكارها التي رجحت وجودها في مصر منذ الحملة الفرنسية عام 1798م.
وأكدت أن الماسونية من أطول الأفكار الوافدة عمرًا على أرض مصر؛ حيث جاءت مع الحملة الفرنسية كي تخدم الأهداف الفرنسية في الشرق، أما في مصر فعملت كطابور خامس للسياسة الغربية.. حيث جلس المصري تحت رئاسة الأجنبي ليسمع وينفذ الأوامر والتعليمات.
وكانت التناقضات في تاريخ الماسونية تطرح آلاف الأسئلة الصعبة، ويومًا بعد يوم أصبحت الأسرار تنكشف، فتاريخها في العصر الحديث يتسم بغموض شديد، ونجحت بعض الأقلام في كشف جانب من هذا الغموض الذي ألقى بشباكه داخل المجتمع المصري ليصطاد النخبة من قيادات السياسة ورجال المال، فكان تدخل الماسونية في السياسة علنيًا وليس سريًا، وكان دور أفرادها في الاقتصاد المصري بارزًا خاصة اليهود، كما كان الدور الفكري للماسون أكثر وضوحًا، وكانت هذه الفئات تتباهى بماسونيتها دون إخفاء؛ حيث كانت الصحف والمجلات الماسونية وغير الماسونية تنشر الكثير عن أعمالهم، وفي كثير من الأحيان تنعتهم بالألقاب الماسونية دون حرج، فالماسونية في مصر كانت تضفي وجاهة اجتماعية على أتباعها.
الثورة الفرنسية
ويكشف الباحث كيف كان للثورة الفرنسية وحروب نابليون دور في خدمة الماسونية، وكيف انتشرت محافلها داخل الدول العثمانية وأقاليمها مترامية الأطراف، وظهرت أول مرة في مصر عام 1798م وبدأت بواسطة المساون الفرنسيين من قوات نابليون الذي أذاع منشورًا يؤمِّن فيه المسلمين على دينهم، ثم قرر بعد ذلك إنشاء محفل ماسوني باسم محفل (إيزيس) وهي اسم لعبادة مصرية قديمة غامضة ترجع إلى الإسطورة المصرية للأخوين (إيزيس وأيزوريس)، وكانت لها شعائر ممفيسية قديمة (ممفيس مدينة يتجمع فيها كهنة إيزيس).
ونجح محفل إيزيس تحت قيادة سيده الأول الجنرال كليبر حتى مقتله عام 1800م، وبعد انسحاب الفرنسيين من مصر انتقلت الماسونية إلى السرة، وفي عام 1830م كوَّن الإيطاليون محفلاً سياسيًا لهم كانت تراقبه السلطات المصرية، وتأسس محفل فرنسي تحت اسم مينس).
وتقول الدراسة إن أكثر الأعضاء النشطين في شعائر ممفيس كان صموئيل حنس، وكان أعضاؤه أكثر من أي محفل ماسوني آخر حيث تأسس في الإسكندرية محفل (الأهرام) عام 1845م وكذلك في القاهرة والسويس والإسماعيلية وبورسعيد، وقد ضم محفل الأهرام بالإسكندرية عددًا كبيرًا من القادة والوجهاء، وكان من أشهرهم الأمير عبد القادر الجزائري الذي جاهد الفرنسيين في الجزائر فتم نفيه على سوريا هو وأسرته.
وفي عام 1836م قرر المحفل الممفيسي الفرنسي الأكبر عمل شرق مفيسي مصري فانضم إليه عدد كبير من المحافل، وعملوا في انسجام كامل حتى قرروا توحيد العمل في عام 1864م.
وفي عام 1881م أصبح توفيق (خديويًا لمصر) وتولى أيضًا رئاسة المحفل الأكبر الوطني المصري وعين وزير العدل (حسين فخري) نائبًا لرئاسة المحفل وكان عدد المحافل يقرب من 56 محفلاً ثم تخلى الخديوي لإدريس بك راغب عن الرئاسة.
نقطة نظام
أشارت الدراسة على انتماء الأمير عبد القادر الجزائري للماسونية ورفضت الرأي القائل بانتماء أحمد عرابي إليها.. هذا يقودنا إلى قضية من الخطورة بمكان فهناك أبحاث ووثائق تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن عددًا كبرًا من الرموز الكبرى كانوا أعضاء في الماسونية أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم.. لكن البحث العميق يؤكد أنهم (أي هؤلاء الرموز) كانوا مخدوعين في الشعارات التي رفعتها المحافل الماسونية حول الحرية والإخاء والمساواة، وتذهب آراء بعض الباحثين على أن هذه الرموز حاولت الاستفادة من عضويتها في الماسونية لخدمة قضايا الوطن، ولما تبين لها أن الشعارات ليست إلا خدعة كبرى كان الانسحاب هو الحل.
![]() |
استغلال الماسونية للسينما المصرية |
على أن هذا الاستنتاج لا ينطبق على السياسيين ورجال الأحزاب في مصر أمثال سعد زغلول والنحاس باشا وفؤاد باشا سراج الدين وكثير من الفنانين أمثال محمود المليجي ومحسن سرحان وزكي طليمات.. فقد كان هؤلاء مستفيدين على الدوام من عضويتهم الماسونية وحققوا أهدافهم من حيث السلطة والنفوذ والصعود على النخبة بكل مغرياتها.
وهنا يأتي الاختلاف الضروري مع الباحث الذي قال: إن سعد زغلول وحزب الوفد طالبوا بالثورة ضد الاحتلال البريطاني ذلك أن سعد زغلول نفسه كان من عملاء الاحتلال وكان شقيقه فتحي زغلول خائنًا دون أدنى ستار مثل شقيقه الذي كان عميلاً مستورًا للاحتلال، ومما يؤكد هذا الرأي أن الوفد لم يكن جادًا في المطالبة بجلاء قوات الاحتلال ومن مظاهر ذلك عدم القيام بأي مواجهات حقيقية (قتال) ضد الانجليز بل إن مصطفى النحاس باشا قبِل أن يقوم بتشكيل الحكومة على أسنَّة الدبابات البريطانية التي حاصرت الملك فاروق في فبراير 1942م ذلك الحدث الذي لا يمكن للوفد إنكاره أو تبريره مهما قال واشتد في الدفاع.
على أن ما نقوله هنا لا يعني أن القاعدة الوفدية كانت مثل القيادة فالصحيح أن جماهير الوفد كانت مضلَّلة واقعة تحت تأثير نفوذ الزعامات الوفدية صاحبة الإقطاعيات والأراضي الواسعة التي كانت تمتلكها بما عليها من بشر يعملون بنظام أقرب إلى السخرة.
الحركات المضادة للماسونية
من القضايا المهمة التي تناولتها الرسالة ظهور الحركات المضادة للماسونية بعد عام 1948م عندما ثبت في كافة أرجاء العالم العربي علاقة الماسونية بالصهيونية، واحتدمت المناقشات في مصر، وكان يدافع فيها عن الماسونية كل من جورجي زيدان وشاهين مكاريوس اللذين امتدحا رجال الأعمال اليهود وزعما أن لهم دورًا كبيرًا في انعاش الاقتصاد المصري.
بعد قيام ثورة يوليو 1952م فقدت المحافل الماسونية الكثير من أعضائها الأغنياء العاملين بسب بالخوف أو الحرص على المصالح الشخصية، وتوقفوا عن حضور الاجتماعات، وحاولت المحافل الماسونية الاستفادة من الأحداث السياسية بإعلان التأييد مرة والتهليل مرات، ووصل بها الأمر إلى محاولة ضم الرئيس جمال عبد الناصر إلى صفوفهم، لكن جمال عبد الناصر ما لبث أن وجه لهم ضربةً قاصمة في إبريل 1964م عندما أغلق المحفل الماسوني بشارع طوسون بالإسكندرية لكونه يندرج تحت اسم جمعيات لا ربحية غير معلنة وغير مصرح بها.
وكان الدليل الأكثر ازعاجًا اعتقال الجاسوس الصهيوني "إيلي كوهين" الذي نجح في خداع المخابرات السورية سنوات طويلة ثم اكتشفت حقيقته المخابرات المصرية لكونه مصري المولد وتاريخه معروف لدى مخابرات مصر.
الخطر الثقافي
أكدت الدراسة أن النشاط الثقافي للماسونية تمثل في الاهتمام بالفنون وعلم المصريات وقضايا التعليم والصحافة.
وهنا يلتقي الباحث مع الآراء السابقة له منذ عقود حول الدور الخفي للماسونية في السينما المصرية والصحف القديمة في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق ذلك مع ما جاء مؤخرًا في حديثٍ للفنان كمال الشناوي الذي ذكر فيه بالاسم زكي طليمات وعبد الحميد حمدي ومحمود المليجي ومحسن سرحان، وأكد أنهم فشلوا في إدخاله المحافل الماسونية.


0 التعليقات